الثعالبي
83
جواهر الحسان في تفسير القرآن ( تفسير الثعالبي )
اليهود والنصارى من الاشتراك الذي يظهر في قوله : ( فسأكتبها للذين يتقون ) ، وخلصت هذه العدة لأمة محمد / صلى الله عليه وسلم ، قاله ابن عباس وغيره . قلت : وهذه الآية الكريمة معلمة بشرف هذه الأمة على العموم في كل من آمن بالله تعالى ، وأقر برسالة النبي صلى الله عليه وسلم ثم هم يتفاوتون بعد في الشرف ، بحسب تفاوتهم في حقيقة الاتباعية للنبي صلى الله عليه وسلم ، قال الغزالي رحمه الله في " الإحياء " : وإنما أمته صلى الله عليه وسلم من اتبعه ، وما اتبعه إلا من أعرض عن الدنيا ، وأقبل على الآخرة ، فإنه عليه السلام ما دعا إلا إلى الله ، واليوم الآخر ، وما صرف إلا عن الدنيا والحظوظ العاجلة ، فبقدر ما تعرض عن الدنيا ، وتقبل على الآخرة ، تسلك سبيله الذي سلكه صلى الله عليه وسلم ، وبقدر ما سلكت سبيله ، فقد اتبعته ، وبقدر ما اتبعته ، صرت من أمته ، وبقدر ما أقبلت على الدنيا ، عدلت عن سبيله ، ورغبت عن متابعته ، والتحقت بالذين قال الله تعالى فيهم : ( فأما من طغى * وآثر الحياة الدنيا * فإن الجحيم هي المأوى ) [ النازعات : 37 ، 38 ، 39 ] . انتهى ، فإن أردت اتباع النبي صلى الله عليه وسلم على الحقيقة ، واقتفاء أثره ، فأبحث عن سيرته وخلقه في كتب الحديث والتفسير . قال ابن القطان في تصنيفه الذي صنفه في " الآيات والمعجزات " : والقول الوجيز في زهده وعبادته وتواضعه وسائر حلاه ومعاليه صلى الله عليه وسلم : أنه ملك من أقصى اليمن إلى صحراء عمان إلى أقصى الحجاز ، ثم توفي عليه السلام ، وعليه دين ، ودرعه مرهونة في طعام لأهله ، ولم يترك دينارا ولا درهما ، ولا شيد قصرا ، ولا غرس نخلا ، ولا شقق نهرا ، وكان يأكل على الأرض ويجلس على الأرض ، ويلبس العباءة ، ويجالس المساكين ، ويمشي في الأسواق ، ويتوسد يده ، ويلعق أصابعه ، ويرقع ثوبه ، ويخصف نعله ، ويصلح خصه ، ويمهن لأهله ، ولا يأكل متكئا ، ويقول : " أنا عبد آكل كما يأكل العبد " ، ويقتص من نفسه ، ولا يرى ضاحكا ملء فيه ولو دعي إلي ذراع ، لأجاب ، ولو أهدي إليه كراع لقبل ، لا يأكل وحده ، ولا يضرب عبده ، ولا يمنع رفده ولا ضرب قط بيده إلا في سبيل الله ، وقام لله حتى تورمت قدماه ، فقيل له : أتفعل هذا وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر ؟ فقال : " أفلا أكون عبدا شكورا " ، وكان يسمع لجوفه أزيز ، كأزيز المرجل من البكاء ، إذا قال بالليل صلى الله عليه وسلم وعلى آله وأتباعه صلاة دائمة إلى يوم القيامة . انتهى .